السعادة

تأملت كثيرًا في معنى السعادة وفي تعريف جامع مانع لها، فلم أجد إلا أنها شعور لا يوصف باللغة بشكل دقيق، ولكني بالرغم من ذلك لم استسلم في محاولة الاقتراب من معناها وإن لم أصل إليه.

السعادة شعور داخلي بحت:
وجدت أن السعادة هي شعور داخلي بحت، فإن كان شعور الإنسان بالسعادة معتمدًا على الظروف التي يتعرض لها فليوقن أنه واهم، وأن هذا الشعور الذي يشعره هو أي شيء آخر عدا السعادة.

معنى السعادة:
وجدت أن معنى السعادة له علاقة بالروح وأسرارها، فكما قلنا آنفا السعادة هي شعور داخلي بحت، وبالتالي فليس لها علاقة البتة بحالة الجسد ولا المحيط بالجسد -الكون-, بل إنها حالة روحية جميلة، إذًا السعادة مرتبطة بحلاوة الروح وجمالها.

ولكن! ما هو الجمال؟
الجمال المطلق هو جمال الله عز وجل، فكل ما صنعه الله عز وجل جميل من جمال الخالق, والإنسان بحرية إرادته التي وهبها الله له إما أن يتناغم مع هذا الجمال ويحافظ عليه، وإما أن يفسده.

ولكن كيف تكون الروح جميلة؟
لقد ذكرنا أن الإنسان السعيد هو الإنسان الذي يكون في حالة من جمال الروح وحلاوتها، وذكرنا أيضًا أن الله عز وجل هو مصدر الجمال ومرجعيته، إذًا السعادة الحقيقية هي حالة من تناغم الروح مع بارئها.

قال الله تعالى: {فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ} [الحجر:29]، [ص:72]، فالله تعالى نفخ فينا من روحه الجميلة، وكفل لها حرية الإرادة، فإما أن تريد هذه الروح ما يرضى عنه ربُها فتكون سعيدة متناغمة مع بارئها عز وجل، فتستمد منه جمالها ويكون صاحبها سعيدًا بغض النظر عن حالة الوسط المحيط به من جسد وبشر وكون.

قال تعالى: {مَنْ عَمِلَ صَالِحا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاة طَيِّبَة وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [النحل:97]، وإما أن تريد أن تنشز عن طاعة ربها والإيمان به فتكون في حالة أخرى غير حالة الجمال والبهاء، أي تكون في حالة مغايرة للسعادة.

الحب وعلاقته بالسعادة:
إن السعادة الحقيقية لا تتأتي إلا من حب من لا يفنى، ولا يتركك ويبتعد، كثير من الناس يظنون أن السعادة في حب بشر مثلهم، ولكن هيهات هيهات فهذا البشر مفارقك لا محالة، إما بحوادث الدنيا وعوارضها، وإما بالموت.

السعادة الحقيقية في حب من لا يفنى:
إذا تأملنا في علاقة الحب والسعادة.. فسنجد يقينًا أن السعادة الحقيقية لا تتأتى إلا بحب الذات التي لا تفنى، وهو الله عز وجل الحي القيوم، الله عز وجل الأول، الله عز وجل الآخر، والمحب دائمًا يريد أن يتقرب ممن يحب، والتقرب من الله لا يتأتى أبدًا بمعصيته بل بطاعته ليحدث التناغم بين الروح وبارئها، الذي ذكرناه آنفا.

يقول الشاعر:

تعصي الإله وأنت تظهر حبه *** هذا لعمري في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته *** إن المحب لمن يحب مطيع

 

الاستنتاج:
إذا أردت السعادة فعليك بحب واهب السعادة والتقرب إليه، واعلم أنه ما من مخلوق يستطيع إمدادك بالسعادة، فهي هبة من الله عز وجل لمن يتقرب إليه ويطيعه، ولا يجعل روحه ناشزًا عن أوامر نافخها فيه، فيستمد من جمال الله فتكون روحه جميلة بهية، فيكون سعيدًا بغض النظر عن الأحوال الخارجة بحلوها ومرها.